هل سبق لك أن تقرأ عن حضارة فارس وثقافتها والنماذج الثقافية المتبقية من تلك الثقافة العريقة والتي ما زالت محل تقدير واهتمام من قبل الشعب الإيراني…؟! على سبيل المثال عيد رأس السنة الشمسية والذي يُسمّى بالنوروز بطقوسه ومراسيمه الجذابة من الأعياد التي ورثها الإيرانيون من آلاف السنين ومن جماليات الثقافة الإيرانية الأخرى هي الثقافات القومیة المختلفة في إیران في الحقيقة حينما أتذكر الثقافات الفرعية في إيران أتذكر الألوان والمزهريات والأشجار المختلفة التي تزين السجاد الإيراني… حيث أرى الاختلاف والجمال مشترك بين الأمرين.
يحاول هذا المقال أن يتحدّث للقارئ عن أهم وأجمل الملامح والمناسبات الثقافية في إيران.
عيد النوروز

سفرة العيد وتصميمها من الظواهر الثقافية والتاريخية الجميلة فيما يتعلق باستقبال العيد.
تسمّى هذه السفرة بـ (هفت سين) أي سبع سينات بمعنى أن هناك سبعة أشياء معيّنة تبدأ بحرف السين توضع على هذه السفرة إضافة إلى القرآن الكريم والسمكة الحمراء الصغيرة والخضرة والزهور المختلفة.
لكل الأشياء التي توضع على سفرة هفت سين فلسفة خاصة تمثّل شيئاً خاصاً في حياة الإنسان. ممّا يميز هذا العيد هو وقوعه في الربيع حيث أينما تنظر لم تر إلّا خضرة الحقول والأشجار والوجوه الباسمة التي تركت البيوت والتجأت بالطبيعة كي تستمتع من الهواء العذب والطلق.



يوم الطبيعة

يشتهر هذا اليوم في الثقافة الفارسية بيوم (سيزده بدر)، ويعني هذا المصطلح اليوم الذي يخرج الإنسان فيه مع أسرته إلى أحضان الطبيعة والبر والصحاري.
هذا اليوم هو اليوم الثالث عشر من شهر فروردين وآخر يوم لعطلة عيد النيروز. الوجهات الطبيعية كالغابات الخضراء والحدائق والأنهار هي أفضل وجهات السفر في هذا اليوم.
طبخ وتناول الأطعمة الشعبية على النّار في الطبيعة الخلابة والاستمتاع بالهواء الطبيعي العذب من التجارب التي تكثر من جماليات هذا اليوم. تقوم الأسرة في هذا اليوم بوضع الخضرة التي قضت ثلاثة عشر يوماً على سفرة العيد في الأنهار الجارية ومن الطقوس الموروثة في هذا اليوم هي عقد سنبلة واحدة من القمح في الطبيعة بنية التوصل إلى الأمنية المفضلة في الحياة.



رمضان في إيران

هر رمضان هو الشهر الذي يصومه المسلمون وهو شهر الطاعة والغفران. لشهر رمضان أجواء خاصة وجميلة يحتفل بها الشعب الإيراني،
ليالي رمضان زاهية في قرى ومدن إيران حيث تكثر قعدات السمر في البيوت والأمكنة العامّة كما أنّ هناك حلويات (الزولبيا والبامية) والتي يتم طبخها في هذا الشهر المبارك فقط.
اليوم التاسع عشر إلى اليوم الواحد والعشرين من شهر رمضان هي أيام استشهاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. يقيم الإيرانيون مراسيم العزاء في هذه الأيّام ويقومون بتوزيع النذور لإحياء ذكرى أمير المؤمنين عليه السّلام وفي نهاية الشهر يأتي عيد الفطر السعيد والذي يستقبله الإيرانيون بحفاوة وإخلاص.



شهر محرم الحرام وعاشوراء

شهر محرّم هو الشهر الذي استشهد فيه الإمام حسين بن على ابن أبي طالب وأصحابه الأوفياء في صحراء كربلاء.
يعم السواد مدن إيران في هذا الشهر حزناً على استشهاد هذا الإمام الهمام. تكون الأيّام العشرة الأولى من هذا الشهر هي أيام العزاء على الإمام الحسين.
بناء دور الحزن ووضع الرايات السوداء وإقامة مراسيم التعزية وهي إعادة واقعة عاشوراء من التقاليد التي يمكن مشاهدتها في هذا الشهر في مختلف مدن إيران. ثقافة توزيع النذور في هذا الشهر الفضيل أيضاً من التقاليد الأخرى في إيران. لكل قومية في إيران أساليب وتقاليد خاصة في الحزن على الإمام الحسين تحكي عن عمق ثقافة تلك الأقوام ومدي تنوعها.



ليلة يلدا

هذه اليلة هي أطول ليلة الشتاء. يعود تاريخ الاحتفال بهذه الليلة إلى آلاف السنين. يجتمع كافة أشخاص الأسرة في ليلة يلدا في بيت الجد والجدة لقيام السهرة.
بعد تناول الطعام الشهي والذي يكون غالباً ما من الأطعمة الشهية الإيرانية ينتقل أشخاص الأسرة إلى مائدة الفواكه والتي يكون الرمان والبطيخ الأحمر سيدا هذه المائدة الموضوعة على الكرسي (وهي طاولة خشبية وضعت عليها الألحفة الثقيلة يجلس حولها أفراد العائلة وهم يضعون أرجلهم تحت تلك الألحفة بقصد التدفئة كما أن تلك الألحفة قد تغطي صدورهم).
يقوم أب العائلة بقراءة أشعار من ديوان حافظ الشيرازي وسعدي ويقوم الجد والجدات بالحديث عن أيّام طفولتهم وخواطر الماضي الجميل كما أن أبناء وأطفال العائلة أيضاً يتحدثون عن أمانيهم وآمالاهم وخواطرهم.



مهرجان النّار (جهارشنبه سوری)

هذه الليلة أيضاً من الليالي الجميلة التي ورثها الفرس عن ثقافتهم القديمة.المراد من ليلة الأربعاء هي آخر ليلة الأربعاء من كلّ عام.
يجتمع الإيرانيون في هذه الليلة حول نويرة صغيرة يسهرون ويتبادلون أطراف الأحاديث ومن ثم يلعبون حول النار ويحاولون العبور من هذه النويرة.
تعد النار من العناصر الأربعة الطاهرة في الثقافة الزرادشتية وهي ترمز في الثقافة الإيرانية إلى الطراوة والطهارة والصحة والعافية. يعد القفز من النار في الثقافة الفارسية القديمة شكلا من أشكال الصلاة يطلب فيه النور والذي يدل على الدفء والفرحة والذي يكون مخالفاً للعتمة التي تحكي عن آلام ومتاعب الضمير الإنساني.



التقاليد المتعلقة بالأقوام المختلفة في إيران
سبببت كثرة القوميّات المختلفة في إيران تنوّع الثقافة الإيرانية. كلّ الأقوام التي تعيش في إيران تمتلك ملابس خاصّة ولها لهجاتها الخاصّة. تبعاً لهذا التنوع هناك أنماط مختلفة من الحياة في إيران وهناك كذلك مراسيم وأعراف تتعلق بكلّ قومية من قوميات إيران فقط. في استمرار هذا المقال نحاول أن نلقي نظرة على أجمل الثقافات والتقاليد المختصة ببعض القوميات الإيرانية.
استخراج زيت الورد

مهرجان استخراج زيت الورد (استخراج ماء الورد) من أشهر الاحتفالات وأجملها في مدينة كاشان.
يغرس الكثير من الفلاحين الورد الدمشقي أو الجوري والذي يُسمى بالفارسية بالورد المحمدي في بساتين وحقول واسعة بسبب الهواء اللطيف في هذه المنطقة تمتلك هذه الورود رائحة طيبة وسحرية يمكن شمّها من أبعد المسافات. في شهر أرديبهشت (الشهر الثاني من الربيع) وبعد أن تتفتح تلك الورود تتهيأ لعملية القطف.
تستطيع أن تقوم مع العمال بقطف مئات الورود من الحقل وتضعها في سلال ومن ثم تخرجها خارج الحقل مع العمال وعوائلهم وتقوم بتلك العملية عدة مرات إلى أن تصبح أكداساً تذهل الإنسان بلونها البهيج ورائحتها السحرية ومن ثم تقوم بغسلها في أوان كبيرة ومن ثم تضعها في أوان أخرى مختصة بطبخها لأخذ الزيت بمساعدة عملية التبخير. يظهر الزيت على شكل قطرات تتساقط من أنبوب متصل بغطاء الأواني الضخمة المختصة بتلك العملية. بإمكانك المشاركة في هذا المهرجان الجميل وتجلب معك زيت الورد الإيراني النقي والطبيعي.



مهرجان الحصاد في المدن الشمالية من إيران

تعد الفلاحة من أهم أعمال ونشاطات القرويّين في إيران، والمدن الشمالية من إيران هي المنطقة الخصبة التي يزرع فيها الأرز والذي يكون على عشرات الأنواع. احتفال الحصاد هو تقليد بقي من سابق العهود حتّى الآن.
يجتمع القرويون من أهالي محافظات شمال إيران أي مازندران وكيلان وكلستان في مهرجان الحصاد كي يظهروا الفرحة والسرور بسبب مبيعة المحصول وذلك في فصلي الصيف والخريف أي شهور الحصاد. يحمد الفلاحون الله على وفرة النعمة وإتمام موسم الحصاد بخير ومن ثم يوزعون الآش والأطعمة المحلية فيما بينهم كما أن هناك الأدوات الموسيقية المحلية والرقصات الجمعية الشعبية التي تكثر من بهجة وفرحة تلك الاحتفالات.



ثقافة الرقص بالعصا في لرستان والمناطق السكنية للألوار

الرقص بالعصا من أشهر تقاليد الألوار كقوم من أعرق الأقوام الإيرانية. يحتاج هذا الرقص المحلي إلى الموسيقى الخاصة به والتي تكون أدواتها الناي والدمام.
هذا الرقص هو لعبة في الأصل حيث هناك شخصان الأوّل من يمسك بعصاءة سميكة يتكيء عليها والثاني يمسك بعود طويل ومَرِن.
يبدأ الشخصان بالرقص والتبختر في الساحة على ضرب الدمام والناي ومن ثم يقف صاحب العصا السميكة عن الحركة ويتكئ على عصاءته، ومن ثم يبادر صاحب العود المرن بالمهاجمة وتوجيه الضربة على فخذ صاحبه وعلى صاحب العصاءة أن يرد ضربة صاحب العود بمساعدة العصا بعد أن يخرج جسمه من حالة الاتكاء. قلما يحدث أن يكون هناك عرس للألوار ولم يُشاهد فيه هذا التقليد.



مراسیم قالي شویان (غسل السجاجید) في مدینة مشهد أردهال

يُقام مراسيم غسل السجاجيد في الجمعة الثانية من شهر مهر أي أول فصول الخريف في مدينة مشهد أردهال التابعة لمدينة كاشان. دفن أحد أحفاد أهل البيت وهو سلطان علي ابن الإمام محمد الباقر في هذه المدينة.
يُقال بأن سلطان علي ابن الإمام محمد الباقر تعرض لغضب حاكم أردهال وذلك بسبب نفوذه بين الناس وتأثيره عليهم فقُتل هو وأصحابه بعد صراع دام 13 يوماً مع جنود الحاكم. بعد أن سمع الناس باستشهاد السلطان علي قاموا بلفّ جسده الطاهر في السجادة وغسلوه في النهر ومن ثم دفنوه في تلك المنطقة.
يحيي الناس كل عام هذا التقليد فيقومون بحمل آلاف العصي (دلالة على الثأر) وهزّها متجهين إلى المرقد المطهّر ويقومون باستخراج سجادة ملفوفة تمثّل تلك السجادة التي لُفّ فيها الجسم الشريف للإمام سلطان علي ابن الباقر ومن ثم يأخذونها إلى النهر وهم يبكون وينحبون ويلطمون على ذكرى ذلك الولي الشريف.



حاولت أن أشیر في هذا المقال إلی أهمّ التقالید والمراسیم الثقافیّة في إیران والتي تستحقّ المشارکة والمشاهدة عن قرب لکنّها لیست کافّة الجذابیّات الثقافیّة. للحصول علی المزید من المعلومات فیما یتعلّق بالطقوس الثقافیّة في إیران یمکنکم الرجوع إلی مدوّنة الموقع.
